الخميس، 26 ديسمبر 2013

سلسلة طالب العلم (6) الكبر عند بعض طلبة العلم ...!!!

الحمد لله على إِحسانه، والشّكرُ له عَلى توفيقِه وامتنانه، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له،
 وأشهَد أنّ نبيّنا محمّدًا عبدُه ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابه. 
ثم أمّا بعد: 
فبعد أن تحدثنا في اللقاء الخامس من سلسلة طالب العلم ، عن (( التواضع من حياة النبي
 صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح )) ! .لا بد لنا اليوم أن نتحدث عن نقيض
 التواضع ألا وهو الكبر ، وهي صفةٌ تُعرف لتُجتنب ، والنبي صلى الله عليه وسلم
 هو قدوة العلماء والأمة بأجمعها فأسسنا في اللقاء السابق حول التواضع أسساً ينبغي
 على طالب العلم التنبه لها ، ويجب عليه التمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن يجتنب
 الكبر المذموم والذي هو مدار لقائنا لهذا اليوم وهو اللقاء السادس من سلسلة طالب العلم ،
 أسأل الله العظيم أن يجعل فيها الخير والصلاح لي ولطلبة العلم الشريف إنه هو السميع العليم . 

أولاً ــ تمهيد : 
* الكبر بطر الحق وهو التكبر عليه والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف
 هواه ومن هنا قال بعض السلف التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به
وإن كان صغيرا فمن قبل الحق ممن جاء به سواء كان صغيرا أو كبيرا وسواء كان يحبه
أو لا يحبه فهو متواضع ومن أبى قبول الحق تعاظما عليه فهو متكبر وغمط الناس هو
 احتقارهم وازدراؤهم وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين الكمال وإلى غيره بعين
 النقص وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره
لنفسه فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه اجتهد في إصلاحه 
.[ انظرجامع العلوم والحكم (الجزء : 1 الصفحة : 122)] . 

ثانياً ــ حقائق عن الكبر : 
1ــ الكبر أول معصية عُصي الله بها: 
أصل الأخلاقِ المذمومة كلِّها الكبر والاستعلاء, به اتَّصف إبليس فحسَد آدم واستكبر
 وامتنع من الانقياد لأمر ربه، ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى
 واستكبر وكان من الكافرين)) [البقرة:34]. 
وبه تخلّف الإيمان عن اليهود الذين رأَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعرفوا صحَّة نبوّته،
 وهو الذي منع ابنَ أبيّ بن سلول من صِدق التسليم، وبه تخلَّف إسلام أبي جهل،
وبه استحبَّت قريشٌ العمى على الهدى، قال سبحانه: ((إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)) [الصافات:35]. ودعا سليمانُ عليه السلام بَلقيس وقومَها إلى نبذِ الاستعلاء والإذعان:
((أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)) [النمل:31]. 

2 ــ الكبر سبب الفرقة والاختلاف والبغضاء : 
الكبر سببٌ للفُرقة والنزاع والاختلافِ والبغضاء, قال جلّ وعلا: ((فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ
 مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) [الجاثية:17]، وبسببِه تنوّعت شنائِع بني إسرائيل مع أنبيائِهم بين
تكذيبٍ وتقتيل, ((أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ))
[البقرة:87]. وهو مِن أوصافِ أهلِ النّفاق، ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ
 رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ)) [المنافقون:5]. 

3 ــ الكبر سبب تعذيب الأمم السابقة : 
وعُذِّبت الأمَم السالفة لاتّصافِهم به, قال تعالى عن قومِ نوح: ((وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ
 وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَارًا)) [نوح:7]، وقال عن فرعونَ وقومه: ((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى
 الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ ، فَأَخَذناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذناهُمْ فِى الْيَمّ فَانظُرْ
كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ)) [القصص:39، 40]، وقال عن قومِ هود: ((فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ
 فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ
 أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِـآياتِنَا يَجْحَدُونَ)) [فصلت:15]. 

ثالثاً ــ منشأ الكبر : للكبر أسباب أهمها : 
1 ــ المال : 
إن الكبر غالباً ما ينشأ من الترف؛ فإذا أترف الإنسان؛ انتكس تفكيره وسمى
 الباطل حقاً والحق باطلاً، ومن ثم يحتقر من لم يكن مثله في عيشه وماله ودنياه؛ إلا من رحم الله. 

2 ــ العلم : وهو شر أنواع الكبر : 
وشر الكبر من تكبر على العباد بعلمه وتعاظم في نفسه بفضيلته؛ فإن هذا لم ينفعه علمه؛
 فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان على نفسه بالمرصاد،
 فلم يفتر عنها. ومن طلب العلم للفخر والرياسة، ونظر إلى المسلمين شزراً مزراً؛ فهذا من أكبر الكبر،
ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. 
قال بعض الحكماء: المتكبر كالصاعد فوق الجبل، يرى الناس صغاراً، ويرونه صغيراً. 

3 ــ النسب : 
وقد ينشأ الكبر من التباهي بالأنساب ، والتباهي بأسرته الكبيرة ، أو أنه يمت بصلة إلى
 أسرة معروفة بالجاه أو السلطان أو العلم أو غير ذلك . 

4 ــ المنصب : 
وقد ينشأ الكبر من منصب يتولاه الإنسان، فيرى نفسه أعلى من الناس طبقة، فيكشر
 في وجوه فقراء الناس، وربما رأى أن الواجب ألا يتصلوا إليه مباشرة، بل
لابد من الوساطة بينه وبينهم ويحمله الكبر على أن يحب في نفسه أن يقوم الناس له تعظيماً: 
ففيما روى الإمام الترمذي في جامعه الصحيح برقم ( 2755 ) فقال : عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ
 قَالَ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ صَفْوَانَ حِينَ رَأَوْهُ فَقَالَ اجْلِسَا سَمِعْتُ
 رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ
 مِنْ النَّارِ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . 

رابعاً ــ صفات المتكبر وبعض الأعمال التي تعد من التكبر : 
1 ـ العلو على الحق وازدراء من هم أدنى منه : 
فالمتكبر يريد أن يعلو على الحق وعلى الله تعالى برد الشرع والدين، ورد آيات الله عز وجل
 وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .. والمتكبر أيضاً يعلو على الناس ويسخر منهم 
ويحتقرهم ويزدريهم. 
إن الكبر منازعة لصفة من صفات الله عز وجل كما جاء في حديث الإمام مسلم برقم ( 2620 ) فقال :
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ )) فهو سبحانه الجبار المتكبر . 
وهذه المنازعة قد تسبب العقوبة في الدنيا قبل الآخرة كما جاء في صحيح الإمام البخاري
 برقم ( 3485 ) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قال : قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ
 إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) . 
أي هو يغوص فيها والعياذ بالله، والجزاء من جنس العمل .. وكذلك يوم القيامة سيكون جزاء
المتكبرين بأن يحشروا ((أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يُساقون إلى
 سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال))
هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما .. فهذا جزاء التكبر ..
 الذل والصغار والإهانة والاحتقار يوم القيامة والعياذ بالله. 

2 ــ حسد الأقران : 
وأيضاً قـد يؤدي الكبر إلى حسد الأقران بعضهم لبعض وخاصة من أهل العلم والدعاة ..
فقد يرى أحدهم أنه أوتي بياناً وفصاحة فهو خطيب مفوه أو أوتي قلماً سيالاً فيقول في نفسه:
مالي لا أُتبع، بينما فلان وفلان لهم طلاب وأتباع وكلمتهم مسموعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي،
 فيتحين الفرص للإيقاع بهؤلاء ويفرح بما يصيبهم من أذى ويُعلن أن ما أصابهم ما كان إلا
 بسبب أنهم ابتعدوا عما يراه ويظنه حقاً والعياذ بالله. 
وهذه أيضاً صفة أهل البدع الذين يبتدعون في الدين ليعارضوا به ما ثبت في القرآن والسنة
 فيشتهروا بين الناس بما يحدثوه في الدين من بدع . 

3 ـ ازدراء سنة النبي صلى الله عليه وسلم : 
والكـبر هو الذى يحمل بعض الناس على ازدراء سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستهـزاء بها: 
روى الإمام مسلم برقم ( 2021 ) فقال : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ
عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ
 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ فَقَالَ : ( كُلْ بِيَمِينِكَ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ لَا اسْتَطَعْتَ
 مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ ) . 

4 ــ اتباع الهوى : 
المتكبِّر متَّبع لهواه، ينظر إلى نفسه بعينِ الكمال وإلى غيره بعينِ النّقص،
مطبوعٌ على قلبِه: لا يقبَل ما لا يَهوى, (( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ))
 [غافر:35]. واللهُ تعالى يبغضه, ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) [لقمان:18]. 

5 ــ عدم الاعتبار والاتعاظ : 
المتَّصف بالكبر مصروفٌ عن الاعتبارِ والاتّعاظ بالعبر والآيات، (( سَأَصْرف عن آياتِي الَّذِينَ
 يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ )) [الأعراف:146]. والمستكبِر عن الحقّ يبتَلى بالانقياد للباطل،
 وقد تعجَّل له العقوبة في الدنيا, فقد شُلَّت يَدُ رجلٍ في عهدِ النبوة بسبَب الكبر كما سبق الحديث عنه . 
وقد خسفتِ الأرض بمتكبِّر,وقد سبق الحديث أيضاً ، وفي الآخرة يعامَل بنقيض قصده,
 فمن ترفَّع عن النّاس في الدّنيا يطؤه النّاس بأقدامِهم في الآخرة، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:
((يحشَر الجبّارون والمتكبِّرون يومَ القيامة في صوَر الذرِّ يطؤهم النّاس بأرجلهم)) رواه الترمذي،
 قال في نوادر الأصول: "كلّ من كان أشدَّ تكبّرًا كان أقصرَ قامّةً في الآخرة، وعلى هذا السبيل
كلّ من كان أشدَّ تواضعًا لله فهو أشرَف قامَةً على الخلق" . 

6 ــ الظن بالنفس أنها خير من غيرها : 
فيكون الكبر مستقرًا في قلبه, فهو يرى نفسه خيرًا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع,
 فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة إلا أنه قد قطع أغصانها, فهو يرى في نفسه أنه خير من غيره,
 يرى نفسه أعلى من الناس, يجد هذا الشيء في قلبه, ولكنه لا يتلفظ بموجب هذه الخصلة الذميمة,
لا يتحول هذا الشيء الذي في قلبه إلى فعل, إلى قول, وإنما يكتم هذا ويظهر عكس هذا الموجب,
 يظهر التواضع وخفض الجناح للمؤمنين, فهذا إن كانت شجرة الكبر في قلبه إلا أن أغصان هذه الشجرة
لا تنمو فقد قطعها. وأنصح في هذا المقام القراءة في كتاب ( تلبيس إبليس ) ، ففيه الحديث
عن أمثال هؤلاء الشيء الكثير . 

7 ــ الترفع في المجالس والتقدم على الأقران : 
يظهر ذلك بأفعال كثير من طلبة العلم اليوم الترفع في المجالس والتقدم على الأقران,
 والإنكار إذا قصر أحد في حقهم, فترى بعضهم يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم,
 وكذلك الجاهل يعيش دون الناس كأنه مستقذر لهم, وهذان قد جهلا ما أدب الله عز وجل
به نبيه صلى الله عليه وسلم, إذ كان هو على رأس العلماء والعباد والزهاد ماذا قال الله تعالى له ؟
 قال الله عز وجل له: (( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)) . 

8 ــ تزكية النفس والدعاوى الفارغة والحكاية عن نفسه : 
يظهر الكبر بلسان كثير من الطلبة غالباً ، كالدعاوى الفارغة والمفاخرة وتزكية النفس على الغير ,
 وحكايات الأفعال في معرض المفاخرة بغيره , وكذلك التكبر بالحسب والنسب,
فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك, وإن كان أرفع منه عملاً, وقد قال صلى الله عليه وسلم:
 (( ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )) رواه مسلم برقم ( 2699 ) ، قال ابن عباس رض الله عنهما:
 يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك, أي أنا أكرم منك حسبًا, أو أكرم منك أبًا,
 وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى, قال تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)). 
وهذا من أسباب الكبر أن يتكبر الإنسان بوجاهته وحسبه ونسبه, أو أن يتكبر بالمال أو
 أن يتكبر بالجمال, أو أن يتكبر بالقوة وكثرة الأتباع, ونحو ذلك, فالكبر بالمال أكثر
 ما يجري بين التجار والأغنياء والرؤساء, والكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء
 ولذلك تراهن يغتبن غيرهن ويتنقصن من جمال غيرهن, وكذلك الكبر بالقوة, وهذا يكون
 بين الرؤوساء ومن لهم أتباع, وهذا يحصل عند بعض من يعلم وعند بعض من له مستفيدون,
فهذا من أسباب الكبر. وأعلم أن التكبر يظهر في شمائل الإنسان, يظهر في حركاته فمن
 ذلك أنه يحب قيام الناس له, أنه إذا جاء مجلس من المجالس أحب أن يتمثل له الناس قيامًا. 
و قد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا
 فليتبوأ مقعده من النار))[سبق تخريجه] وقال أنس بن مالك رضي الله عنه:
 "ما كان أحد أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإذا رأيناه لا نقوم
 له لما نعلم من كراهيته لذلك, كان صلى الله عليه وسلم يكره أن يتمثل له الناس قيامًا,
 فمن الشمائل التي تظهر على الإنسان من جراء الكبر أن يحب أن يتمثل له الناس قيامًا,
 والسنة أن الإنسان إذا دخل مجلسًا أن لا يتمثل له الناس قيامًا, وإنما القيام عند الاحتفاء
 به والمعانقة واستقبال صاحب الدار لضيفانه واستقبال الرجل لأبنائه ونحو ذلك. 

9 ــ ومن صفات المتكبر أيضًا أنه لا يمش إلا ومعه أحد يمشي خلفه, يكره بعضهم
 أن يمشي وحده أو أن يحضر مجلسًا وحده , فهذا من الخصال التي تظهر كذلك على الجوارح
من جراء الكبر ، فتراه إذا أراد حضور مجلس جيش معارفه لذهابه هذا ،
 فتراهم كأنهم الأتباع والتلامذة له . 

10 ــ ومن ذلك أيضًا أنه لا يزور أحد تكبرًا واستعلاءً أو استنكافًا, ومن ذلك
 أيضًا أن يستنكف من جلوس أحد إلى جانبه من الفقراء, وممن هم دونه,
أو أن يمشي معه أحد من الضعفاء أو المساكين, فهذه خصال تظهر على الجوارح
 من جراء ما في القلب من الكبر والتكبر والعياذ بالله تعالى من كل ذلك . 

خامساً ــ الدواء والعلاج : 
إن العجب هو سبب الكبر، ولكي يسلم الإنسان من هذا الداء، لابد له من الدواء،
 والدواء من هذا الداء يكمن في عدة أشياء: 

1 ــ تذكر نعمة الله تعالى عليك : 
و أن ما بك من النعم هو من الله سبحانه، فواجب عليك شكر المنعم، وعدم نسيانه،
 فإن شكرت فقد استبقيت النعمة، وإن كفرت وتكبرت فقد استعجلت العقوبة التي تحل بك. 

2 ــ اقتد بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم : 
وإنك أخي في الله لن تفلح أبداً حتى تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وتتأسى به في حياتك،
 وهذا يقتضي أن تقرأ سيرته وتتعلم من سنته، عند ذلك ستجد أنه صلى الله عليه وسلم كان يمر
 على الصبيان فيسلم عليهم وينطلق مع الأمة حيث شاءت ليشفع لها أو يقضي لها حاجتها
 وكان يخدم أهله في البيت ويحمل اليهم الحاجة وكان يتواضع للغريب والجاهل وطالب العلم،
وقد تحدثنا عن بعض ذلك في اللقاء السابق ، ففيما رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم (876 ):
 ( قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ
غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا قَالَ فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا )، نعم صدق الله 
(( وإنك لعلى خلق عظيم)). 

3 ــ تذكر الآخرة : 
وهو العلاج الأهم أن يتذكر طالب العلم الآخرة ومآل الإنسان فيها، فإن كان من
المتكبرين فإن مآله النار، وإن كان من الضعفاء المتواضعين فإن مآله الجنة. أخرج مسلم:
(2847) في صحيحه سنده عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 ((احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: 
في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما أنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء،
 وأنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها)). 
فانظر – أخي في الله – إلى أي دار تشتاق وتتمنى. اللهم اجعلنا من أهل الجنان،
 وسلمنا من النار يا رحمن. 

4 ــ اعرف حقيقة النفس : 
ولمعرفة حقيقة النفس: أمران اثنان : 

أ ــ انظر إلى أول أمرك وإلى وسطه وإلى آخره : 
فينظر في أول أمره (( من أي شيء خلقه, من نطفة خلقه فقدره)), فأول أمره
نطفة مذرة وآخر أمره جيفة قذرة, ويحمل فيما بين ذلك العذرة, فإذا تفكر الإنسان
إلى حقيقة نفسه وجد أن مآله إلى التراب, وأنه حقير, ولا يحسبن الإنسان أنه سيبقى إلى الدوام,
 ولذلك قال الله عز وجل: ((ثم إذا شاء أنشره)), أي مآله إلى الله تبارك وتعالى, ومن ثم ينظر
 الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى, وذلك بالتفكر في آلاء الله عز وجل وعجائب صنعته, فيتفكر
 في الجبال والبحار, وفي نفسه كيف خلقه الله عز وجل وصوره إنسانًا فمن عرف حقيقة ربه
عرف حقيقة نفسه, ومن عرف حقيقة نفسه حقًا عرف حقيقة ربه تبارك وتعالى كما قال بعض العلماء. 

ب ـ عارض أسباب الكبر : 
بأن يعارض أسباب الكبر, فإن كان سبب كبره الحسب والنسب فلينظر إلى أبيه كيف كان نطفة مذرة,
فلينظر إلى أبيه وجده وجد جده, أين هم؟ أليسوا في التراب؟ فلربما من ترابهم صنع ما صنع من البنيان,
 فكذلك يذهب الإنسان الكبر بسبب الحسب والنسب. 
وإذا كان الكبر بسبب الغنى فليتفكر الإنسان أن اليهود من أغنى العالمين, فيا لها من خصلة
يسبق فيها الإنسان يهودي, ذمه الله عز وجل, فخصلة الغنى ربما تذهب بين عشية وضحاها,
 فإذا قدم سارق وسرق ماله أصبح صفر اليدين لا يملك ما يتكبر به. 
وإذا تكبر بقوته وعظمته فليتفكر في الأمراض والعلل التي تنتابه, فإذا مرض وإذا أصابته
 حمى فإنه يصبح هزيلاً ضعيفًا, وإذا تعطل شيء من أعصابه أصبح لا يتحرك, وإذا كان
 الكبر بسبب العلم فليتفكر وليتنبه بأن للعلم تبعة, وأن الله سبحانه وتعالى يقضي يوم القيامة
 فيكون أول من يقضى عليه يوم القيامة رجل تعلم العلم ليقال عالم, وقرأ القرآن ليقال قارئ,
 فيكون أول المسحوبين على وجوههم في نار جهنم, ومن ثم يتفكر أيضًا أن الله سبحانه
 وتعالى يمقت المتكبرين, وأن الله عز وجل لا يحبهم ولا يوفقهم. 
وقد ينسى الإنسان أنه مهما طال جسده وعظم، فإنه لا يستطيع أن يخرق الأرض، ولن يبلغ الجبال طولاً،
وأن الشوكة تدميه، والذبابة تؤذيه، والأفعى تخيفه، وأن مصيره إلى الزوال ولو كشف عنه بعد موته
 لهالنا مرآه وحاله . 

5 ـــ اقرأ سير الصالحين وتواضعهم . 
وأنصحك في ذلك أن ترجع إلى الكتب الأمهات من أمثال كتاب : ( الإصابة في تمييز الصحابة )
 وكتاب : (سير أعلام النبلاء ) وكتاب : ( صفة الصفوة ) وكتب الحديث والتراجم ففيها الشيء
الكثير من إبراز حياة الصالحين من هذه الأمة المرحومة . 

6 ــ اترك الهوى : 
وتواضع للدّين ولا تعارِضه برأي أو هوًى، ولا تعرِض عن تعلّمه والعمَل به،
 ومن أسدَى إليك نُصحًا فاقبَله واشكُر قائله، ومن أمرك بمعروفٍ أو نهاك عن منكرٍ فامتثِل لرشده,
 فالحظوة في التواضعِ للطّاعة. 
يقول الفضيل رحمه الله: "التّواضع أن تخضعَ للحقّ وتنقاد له" . 
وقال رجل لمالك بن مغول: "اتّق الله"، فوضَع خدّه على الأرض . 
ينسى بعض الناس هذا كله، فيتعاظمون في أنفسهم، ويأخذهم العجب بأجسادهم
 وألوانهم وامتداد قاماتهم وجمال ثيابهم، فإذا هم يمشون في الأرض مشية الخيلاء المتكبرين،
وينظر إلى الناس نظرة احتقار وازدراء، ويظن نفسه خير الناس وهو أرذلهم. 

سادساً ــ الخاتمة : 
اعلم ــ أخي في الله ــ أنه مَن حمَل في قلبِه ولو شيئًا يسيرًا مِن الكبر حرُم عليه دخول الجنة،
 يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنةَ من في قلبه مثقالُ ذرّة مِن كبر)) رواه البخاري .
 والنار دارٌ لهم, (( أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ)) [الزمر:60]، ويقول عليه الصلاة والسلام:
((ألا أخبِركم بأهلِ النّار؟ كلّ عُتُلٍّ جوّاظٍ مستكبرٍ)) متفق عليه، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((احتجّت الجنّة والنّار، فقالت النّارُ: فيّ الجبّارون والمتكبِّرون، وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء النّاس ومساكينهم))
 رواه مسلم . 
فانزَع عنك رداءَ الكبر والتعاظم، فإنهما ليسا لك، بل هما للخالق، والبَس رداءَ الانكسار والتواضع،
 فما دخل قلبَ امرئٍ شيءٌ من الكبر قطّ إلا نقَص من عقلِه بقدر ما دخل من ذلك أو أكثر.
 ومنشأ هذا مِن جهلِ العبدِ بربّه وجهله بنفسه، فإنّه لو عرف ربَّه بصفاتِ الكمال ونعوت
الجلال وعرف نفسَه بالنقائص والآفاتِ لم يستعلِ ولم يأنف، يقول سفيان بن عيينه رحمه الله:
 "مَن كانت معصيّته في الكبرِ فاخشَ عليه، فإبليس عصى متكبِّرًا فلُعِن". 
والعذاب يقع على من تغلغَل ذلك في قلبه، وتكون خفّته وشدّته بحسَب خفّتها وشدّتها،
ومن فتحها على نفسه فتح عليه أبوابًا من الشرور عديدة، ومن أغلقها على نفسه
فتِحَت له بإذن الله أبوابٌ من الخيرات واسعة. 
والكبر المبايِن للإيمان لا يدخُل صاحبه الجنّة، كما في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
 عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ)) [غافر:60]. ومِن الكبر ما هو مبايِن للإيمان الواجِب,
بل كبرُه يوجِب له جحدَ الحقّ واحتقارَ الخلق, يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقالُ ذرّة من كبر))، قالوا: يا رسول الله، إنّ الرجلَ يحبّ
 أن يكونَ ثوبه حسنًا ونعله حسَنة، قال: ((الكبر بطرُ الحقّ وغَمط الناس)) رواه مسلم . 
ولا تفخر على أحدٍ فدنياك زائلة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((حقٌّ على الله أن لا يرتفِع شيءٌ
 من الدّنيا إلا وضعه)) رواه البخاري . 

أسأل اللهَ العظيم رب العرش العظيم أن ينفع بهذه المقالة طلبة العلم وإياي أيضاً إنه هو السميع العليم ،
 وأن يجعلها في قلوبنا, وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. 
اللهـم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبـه أجمعين،
 وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
كتب السلسة : حسام الدين سليم الكيلاني 

سلسلة طالب العلم (5) التواضع من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح ؟؟؟

الحمد لله على إِحسانه، والشّكرُ له عَلى توفيقِه وامتنانه، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له،
 وأشهَد أنّ نبيّنا محمّدًا عبدُه ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابه. 
ثم أمَّا بعد: 
فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها،
 وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. 
إن الله يحبّ تواضعَ العبد عند أمرِه امتثالاً، وعند نهيه اجتنابًا، والشّرفُ يُنال بالخضوع لله
 والتواضعِ للمسلمين ولينِ الجانب لهم واحتمالِ الأذى منهم والصّبر عليهم، قال جلّ وعلا
 موجهاً خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الحجر:88]. 
ولذلك نأسس في التواضع فنقول : إن التواضع سبب الرفعة في الدنيا والآخرة ،
وهو سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع ، ولذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلم
بأن يخفض جناحه للمؤمنين ، وليكون قدوة للعلماء وللأمة جمعاء . 

أولاً ــ التواضع سبب الرفعة في الدنيا والآخرة : 
أخرج الإمام مسلم في صحيحه برقم ( 2588 ) حديثاً صحيحاً فقال : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ
 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ
 إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ )) 
والتواضع من أخلاق الأنبياء وشِيَم النبلاء، فهذا موسى عليه السلام رفع الحجرَ لامرأتين أبوهما شيخٌ كبير،
 وداود عليه السلام كان يأكل من كَسب يده، وزكريّا عليه السلام كان نجّارًا، وعيسى عليه السلام يقول:
 (( وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا)) [مريم:32]. 
وما مِن نبيّ إلاّ ورعى الغنم، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم كان رقيقَ القلب رحيمًا خافضَ الجناحِ
 للمؤمنين ليّن الجانب لهم، يحمِل الكلَّ ويكسِب المعدوم، ويعين على نوائبِ الدّهر، وركب الحمارَ
 وأردفَ عليه، يسلّم على الصبيان، ويبدأ من لقيَه بالسلام، يجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى ذراعٍ أو كُراع،
ولما سئِلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنَع في بيته؟ قالت:
يكون في مهنة أهله ـ يعني: خدمتهم ـ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. 

ثانياً ــ التواضعُ سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع : 
أخرج الإمام مسلم في صحيحه برقم ( 2865 ) فقال : قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا فَقَالَ : (( وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ
 وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ )) 
المتواضعُ منكسِر القلب لله، خافضٌ جناحَ الذلّ والرحمة لعباده، لا يرى له عند أحدٍ حقًّا,
 بل يرى الفضلَ للناس عليه، وهذا خلقٌ إنما يعطيه الله من يحبّه ويقرّبه ويكرمه. 

ثالثاً ــ تواضعه صلى الله عليه وسلم : 
(( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً))
 [الأحزاب:21]. فكيف كان تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم : 

1 ــ تواضعه صلى الله عليه وسلم في نفسه : 
أخرج الحاكم في المستدرك برقم : [ 4366 ] فقال : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
 بالويه ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن صاعد ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا جعفر بن
 عون ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن أبي مسعود أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم
يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش
كانت تأكل القديد هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . 

2ـ أخذه صلى الله عليه وسلم بمشورة أصحابه : 
ففي غزوة الخندق أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي سلمان وحفر الخندق وفي بدر
 أخذ برأي الحباب بن المنذر في أن يجعل مياه بدر خلفه لئلا يستفيد منها المشركون. 
وكان يقول صلى الله عليه وسلم غالباً وفي مواقف كثيرة لأصحابه: ((أشيروا علي – أشيروا علي)). 

3 : نقله صلى الله عليه وسلم للتراب يوم الخندق : 
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم
الخندق حتى أغبر بطنه يقول: 
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا 
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا 
إن الألى قد بغوا علينا إن أرادوا فتنة أبينا 
ويرفع بها صوته: أبينا، أبينا)). 

4 ــ رعيه الغنم وتحدثه بذلك صلى الله عليه وسلم : 
وأخرج ابن ماجه برقم ( 2149 ) فقال : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَاعِيَ غَنَمٍ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ
مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ قَالَ سُوَيْدٌ يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ 
قال أهل العلم: رعى الغنم وظيفة ارتضاها الله لأنبيائه. 
فما السر في ممارسة الأنبياء لها؟ 
قالوا: إن من أسرارها أنها تربي النفوس على التواضع وتزيد الخضوع لله تعالى.
 ومن أسرارها أنها تربي على الصبر وتحمل المشاق إلى حكم كثيرة وهو الحكيم العليم. 

5 ــ تواضعه صلى الله عليه وسلم مع الضعفاء والأرامل والمساكين والصبيان : 
وأخرج الحاكم في المستدرك برقم : [ 3735 ] فقال : عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف
عن أبيه رضى الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء
 المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. 
فلم تشغله النبوة عن ذلك. ولم تمنعه مسؤولية أمته، ولا كثرة الارتباطات والأعمال:
 أن يجعل للضعفاء والمرضى نصيباً من الزيارة والعبادة واللقاء. 
فأين أنتم يا أصحاب الجاه والسلطان من هذا الخلق العظيم ؟ 
أين أنتم أيها الأغنياء من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟ 
إذا أردتم حلاوة الإيمان أن تطعموها. فهذا هو السبيل إليها فلا تخطؤوه. 

6 ــ تسليمه صلى الله عليه وسلم على الصبيان : 
أخرج ابن حبان في صحيحه برقم [ 459 ] فقال : أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم
مولى ثقيف حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس :
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم )) . 
إنك ترى - في عصرنا هذا - من يترفع عن المتقين من الرجال فكيف يكون شأنه 
مع الصبيان والصغار؟ 
إنك لتجد بعض ضعفاء الإيمان يأنف أن يسلم على من يرى أنه أقل منه درجة أو منصباً،
ولعل ما بينهما عند الله كما بين السماء والأرض! 
ألا فليعلم أولئك أنهم على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

7 ـــ خصفه صلى الله عليه وسلم لنعله وخيطه لثوبه : 
وأخرج أحمد في مسنده برقم ( 24813 ) فقال : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلَ
رَجُلٌ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا قَالَتْ :
( نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ
وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ) . 

8 ــ عمله في مهنة أهله صلى الله عليه وسلم : 
وأخرج الإمام أحمد في مسنده فقال : حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى
عن شعبة قال حدثني الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال قلت لعائشة ما كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله قالت : كان في مهنة أهله فإذا
 حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة . 
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا من فراغ في وقته
 ولكنه كان يحقق العبودية لله سبحانه بجميع أنواعها وأشكالها وصورها. 

رابعاً ــ أحوال وأقوال السلف الصالح : 
فمن أحوالهم وأقوالهم نقتطف ما يلي : 
1 ــ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : 
هذه امرأة ترد على عمر .. فيصوب قولها ويعلن تراجعه عن رأيه رضي الله عنه
كما جاء في السير في القصة المعروفة والمشهورة عن تحديد المهور. 
بل إنه يُروى أن رجلاً قال له: لو زللت لقومناك بسيوفنا، فقال عمر رضي الله عنه:
الحمد لله الذي جعل من يقوم عمر بسيفه. 
قال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء،
 فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ينبغي لك هذا. فقال: (لما أتاني الوفود سامعين مطيعين - القبائل بأمرائها وعظمائها - دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها). 

2 ـ علي بن الحسن رضي الله عنه : 
كان علي بن الحسن يقول: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة،
وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأولى،
وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء . 

3 ــ الحسن البصري رضي الله عنه : 
قال الحسن رحمه الله: هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك
 فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً . 

4 ــ أبو علي الجوزجاني رحمه الله تعالى : 
وقال أبو علي الجوزجاني: النفس معجونة بالكبر والحرص على الحسد،
 فمن أراد الله هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة، وإذا أراد الله تعالى به خيراً لطف
به في ذلك. فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى . 

5 ــ مالك بن دينار رحمه الله تعالى : 
مر بعض المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك:
 أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك:
بلى، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال:
الآن عرفتني حق المعرفة. 

6 ــ أبو موسى المديني رحمه الله تعالى : 
لقد كان شيخ المحدّثين أبو موسى المدينيّ يقرِئ الصبيانَ الصغار القرآن في 
الألواح مع جلالةِ قدرِه وعلوِّ منزلته. 

7 ــ بشر بن الحارث رحمه الله تعالى : 
يقول بشر بن الحارث: "ما رأيتُ أحسنَ من غنيّ جالسٍ بين يدَي فقير". 

8 ــ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : 
يقول الشافعي رحمه الله: "أرفعُ الناس قدرًا من لا يرى قدرَه، وأكبر النّاس فضلاً من
 لا يرى فضلَه"[أخرجه البيهقي في الشعب (6/304)]. 

9 ـ عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى : 
قال عبد الله بن المبارك: "رأسُ التواضعِ أن تضَع نفسَك عند من هو دونك في
نعمةِ الله حتى تعلِمَه أن ليس لك بدنياك عليه فضل [أخرجه البيهقي في الشعب (6/298)]. 

10 ــ سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى : 
قال سفيان بن عيينة: من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة فإن آدم عليه السلام
عصى مشتهياً فاستغفر فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة. 
فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن. 

ولذلك يا أخي اعلم : 
أن من اتقى الله تعالى تواضع له. ومن تكبر كان فاقداً لتقواه. ركيكاً في دينه مشتغلاً بدنياه. 
فالمتكبر وضيع وإن رأى نفسه مرتفعاً على الخلق، والمتواضع وإن رؤي وضيعاً فهو رفيع القدر. 
ورحم الله الناظم إذ يقول : 
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر **** على صفحات الماء وهو رفيع 
ولا تك كالدخان يعلو بنفسـه ****  إلى طبقات الجو وهو وضيـع 
ومن استشعر التواضع وعاشه. وذاق حلاوته كره الكبر وبواعثه
 ورحم أهله ورأف لحالهم نعوذ بالله من حالهم. 

أسأل اللهَ العظيم رب العرش العظيم أن ينفع بهذه المقالة طلبة العلم وإياي أيضاً إنه هو السميع العليم ،
 وأن يجعلها في قلوبنا, وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. 
اللهـم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبـه أجمعين،
 وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

سلسلة طالب العلم (4) مظاهر الرياء عند طلبة العلم !!!

إنَّ الحمد لله، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا
 وسيئات أعمالنا من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنَّه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
ثم أمَّا بعد:
فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها،

وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
بعد أن تحدثنا في اللقاء السابق عن الإخلاص وحول كيفية إخلاص النية في طلب العلم

 وأسسها وكيفيتها ومعوقاتها و .. و ... ! .لا بد لنا اليوم في هذا اللقاء ( اللقاء الرابع )،
 في سلسلة طالب العلم،أن نتحدث عن ضد الإخلاص ألا وهو الرياء والمراءاة ثم
 عن مظاهر الرياء عند طالب العلم والتي ينبغي عليه أن يحذرها ويتجنبها ..

* ورحم الله النَّاظم إذ يقول :
اعمل بعلمك ، تغنم أيها الرجل *** لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل
والعلم زين ، وتقى الله زينـته *** والمتقون لهم في علمهم شغل
وحجة الله يا ذا العلم بالـغـة *** لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيل
تعلم العلم واعمل ما استطعت به *** لا يلهينك عنه اللـهو والجـدل 
أولاً ــ مقدمة وتمهيد : 
1 ـ الرياء وحدُّه: 
الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة من السماع . وحدُّ الرِّياء المذمومِ إرادةُ الْعاملِ

 بِعِبادتهِ غيرَ وَجهِ اللَّهِ تَعالَى كأن يَقصِدَ اطلاعَ النَّاسِ على عبادته وكماله حتى يحصل
 له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء .

إمَّا بِإظهار نحول وصفرة ، ونحو تشعث شعر ، وبذاذة هيئة ، وخفض صوت ،

 وغمض جفن إيهَامًا لشدَّة اجتهاده في الْعبادة وَحُزْنِهِ وَقِلَّةِ أَكله وعدم مبالاته
 بِأمر نفسه لاشتغاله عنها بِالأهمِّ ، وتوالي صومه وسهره ، وإعراضه عن الدُّنيا وأهلها ،
 وما درى الْمخذول أنه حينئذ أقبحُ من أَرَاذِلِهِمْ كَالْمَكَّاسِينَ وَقُطَّاعِ السَّبِيلِ . وَأَمْثَالِهِمْ ،
 لأنهم معترفون بِذنوبِهم لا غُرُورَ لهم في الدِّينِ بِخلاف ذلك المخذول الممقوت .
وإمَّا بِإِظهَار زيِّ الصَّالحين كإطراق الرَّأس في المشي والهدوءِ في الحركة ،

 وإِبقَاءِ أَثَرِ السُّجُودِ عَلَى الوَجهِ ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيرها وغير
 ذلك إيهامًا أنَّه من العلماء والزهاد .

2ـ تحريم الرياء وأنه من الكبائر : 
اعلم أن الرياء هو الشرك الأصغر وهو من الكبائر المحبطة للعمل ،

 وقد شهد بتحريمه الكتاب والسنة ، وانعقد عليه إجماع الأمة :
أ ـ الكتاب : 
قال تعالى : (( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ )) وَ قال تعالى: (( وَاَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيدٌ ))

قَالَ مُجَاهِدٌ : هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ ، وَ قال تعالى: (( وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ))
ب ـ السنة : 
فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ : (( إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ

 يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ : اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا اُنْظُرُوا
هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً )) . وَالطَّبَرَانِيُّ : (( إنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ وَأَحَبَّ الْعَبِيدِ إلَى اللَّهِ
الْأَتْقِيَاءُ الْأَسْخِيَاءُ الْأَخْفِيَاءُ )) أَيْ الْمُبَالِغُونَ فِي سَتْرِ عِبَادَاتِهِمْ وَتَنْزِيهِهَا عَنْ شَوَائِبِ
الْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَالْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ (( الَّذِينَ إذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِذَا شَهِدُوا - أَيْ حَضَرُوا -
 لَمْ يُعْرَفُوا أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى )) . وَالْحَاكِمُ : (( أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُ النَّارَ
 يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ ، فَيَقُولُ : رَبِّ عَلَّمْتَنِي الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
 أَيْ سَاعَاتِهِمَا رَجَاءَ ثَوَابِك ، فَيَقُولُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُصَلِّي لِيُقَالَ : إنَّك قَارِئٌ مُصَلٍّ وَقَدْ قِيلَ ،
اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرَ ، فَيَقُولُ : رَبِّ رَزَقْتَنِي مَالًا فَوَصَلْتُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَصَدَّقْتُ بِهِ
 عَلَى الْمَسَاكِينِ وَحَمَّلْتُ بِهِ ابْنَ السَّبِيلِ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك ، فَيُقَالُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تَتَصَدَّقُ وَتَصِلُ لِيُقَالَ :
 إنَّهُ سَمْحٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالثَّالِثِ فَيَقُولُ : رَبِّ خَرَجْتُ فِي سَبِيلِك
فَقَاتَلْتُ فِيك غَيْرَ مُدْبِرٍ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك فَيُقَالُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُقَاتِلُ لِيُقَالَ : إنَّك جَرِيءٌ
وَشُجَاعٌ فَقَدْ قِيلَ ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ )) . وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ : (( مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ ،
 وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ : وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
ج ـ الإجماع : 
انعقد إجماع الأمة على تحريم الرياء .

3 ـ أقسام الرياء من حيث القبح : 
أ ـ َأَقْبَحُهَا الرِّيَاءُ فِي الْإِيمَانِ :
وهو شأن المنافقين الذين أكثر الله من ذمهم في كتابه العزيز : (( إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ))
ب ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ :
كأن يعتاد تركها في الخلوة ويفعلها في الملأ خوف المذمَّة ، وهذا أيضًا عظيم عند اللَّهِ

تعالى لإنبائه على غاية الجهل وأدائه إلى أعلى أنواع المقتِ .
ج ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِالنَّوَافِلِ :
كأن يعتاد ذلك فيها وحدها خوف الاستنقاص بِعدم فعلها في الملإ ، وإيثارًا للكسل

 وعدم الرَّغبة في ثوابها في الخلوةِ .
د ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِأَوْصَافِ الْعِبَادَاتِ :
كتحسيِنها وإطالة أركانها ، وإظهار التَّخشُّعِ فِيهَا ، والاقتصار في الخلوةِ على أدنى

 واجباتها، فهذا محظورٌ أيضًا لأنَّ فيه كالَّذي قبله تقديم المخلوقِ على الخَالِقِ.

4 ـ وَلِلْمُرَائِي لِأَجْلِهِ دَرَجَاتٌ : 
أ ـ فأقبحها أن يقصدَ التَّمكُّن من معصيةٍ كمن يظهر الورع والزُّهد حتَّى يعرف به فيولَّى

المناصبَ وَالوَصَايَا ، وَتُودَعَ عندهُ الأموالُ ، أو يفوَّض إليه تفرقة الصَّدَقَاتِ وَقَصده بِكلِّ ذلك الخيانة فيه.
ب ـ ويليها من يتَّهم بمعصيةٍ أو خيانةٍ فيظهر الطَّاعة والصَّدقة قصدًا لدفعِ تلك التُّهمة .
ج ـ ويليها أن يقصدَ نيل حظٍّ مباحٍ من نحوِ مال أو نكاحٍ ، أو غيرهما من حظُوظِ الدُّنيا .
د ـ ويليها أن يقصد بإظهار عبادته وورعه وتخشعه ونحو ذلك أن لا يحتقر وينظر إليه بِعين النَّقص ،

 أو أن يعدَّ من جملة الصَّالحين وفي الخلوة لا يفعل شيئًا من ذلك ، ومن ذلك أن يترك
إظهار النَّظر في يوم يسنُّ صومه خشيةَ أن يظنَّ به أنَّه لا اعتناءَ له بالنَّوافل .
قال الغزالي : وجميعهم تحت مقت اللَّهِ تعالى وغضبه وهو من أشدِّ المهلكات .

ثانياً ـ مظاهر الرياء عند طلبة العلم :
وإذ أحذرك أخي في الله وأحذر نفسي من تلك الشهوة الخفية فلا بد أن أذكر لك بعض مظاهرها ؛

 لأنها قد تخفى على الكثيرين إلا من وفقه الله وهداه .

* فمن مظاهر الرياء عند طلبة العلم التي ينبغي الحذر منها : 

أولاً ــ الجرأة على الفتوى وتعجل التدريس : 
وهذه للأسف الشديد هي سمة الكثيرين من طلبة العلم من أهل هذا العصر .
قال الله تعالى : (( آلله أذن لكم أم على الله تفترون )) [ يونس/59 ]
ومن تأمل سير السلف يعرف حقًا كيف كان هؤلاء الأكابر أكثر الناس علمًا وورعًا ،

 فكانوا يهابون مما يقتحمه المتعالمون في هذه الأيام ، ومما يقع فيه علماء السوء من شواذ المسائل .
قال أبو داود في مسائله : ما أحصى ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري .
قال : وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه ، كان أهون عليه أن يقول لا أدري .
وقال عبد الله ابنه في مسائله سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل الإمام

مالك بن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من ورائك أني لا أدري .
وقال عبد الله : كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل فيقول : لا أدري ، ويقف إذا كانت

 مسألة فيها اختلاف ، وكثيرا ما كان يقول : سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء
ولا يكاد يسمي رجلا بعينه.
يقول ابن القيم : وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ،

 ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره ، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في
معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى .
 [إعلام الموقعين لابن القيم (1/33،34) ، المدخل لابن بدران (1/120) ط مؤسسة الرسالة] .
قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى : أدركت عشرين و مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

 في المسجد ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال سحنون بن سعيد : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من

 العلم يظن أن الحق كله فيه .
فأين هؤلاء الأصاغر المتعالمون من أدب سلفنا الصالح في الفتيا والاستفتاء ،

فترى هؤلاء المتعالمين المتفيقهين يتعجل أحدهم الفتيا ويتعجل التدريس ويتعجل كل شيء ،
يظن بنفسه أنه محيي الدين يود أحدهم لو كان مفتي البلاد والعباد ، ولكنها الشهوة الخفية ،
وأين هؤلاء من الشروط والأسس التي وضعها سلفنا لحفظ جناب الدين من المتفيقهين .

* قال الإمام أحمد : " لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال :
إحداها :: أن تكون له نية ، أي أنْ يخلص في ذلك لله تعالى ، ولا يقصد رياسة ولا نحوها ،

 فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ، ولا على كلامه نور،إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .
الثانية : أن يكون له حلم ووقار وسكينة ، و إلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية .
الثالثة : أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته ، و إلا فقد عرض نفسه لعظيم .
الرابعة :: الكفاية و إلا أبغضه الناس ، فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس ،

 وإلى الأخذ مما في أيديهم فيتضررون منه .
الخامسة : معرفة الناس .[ كشاف القناع للبهوتي (6/299) ط دار الفكر] .
ولعلك إن فتشت فيمن حولك عمن تنطبق فيه تلك الأوصاف لا يسعفك عد عشرة على

أصابع اليدين ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فحذار حذار من فتنة التصدر ، وطلب الشهرة والجاه ، فإنها عمار للنار ،

 قتالة للقلب ، مفسدة له ، دالة على سوء النوايا ، وإنما من ابتلي بذلك صبر ،
 ومن استراح من هذا شكر لو تعلمون .

ثانياً ــ الاشتغال بفرض الكفاية عن فرض العين : 
فتجد هذا المتعالم والمتفيقه بلا عقيدة صحيحة ، ولا معرفة صادقة بأسماء الله وصفاته ،

 ولا إلمام بتصحيح العبادات الظاهرة والباطنة ، ومع ذلك هو عاكف على علوم الآلات ،
 ويهجم على النصوص ويستنبط ويرجح بين الأقوال ، ويرد على العلماء ويتعصب ،
 ويغضب لنفسه ورأيه ، لا لدين الله عز وجل ، فهذا هو الخذلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
قال في مختصر منهاج القاصدين : ( وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظهار واللعان والسبق والرمي ،

 ويفرع التفريعات التي تمضي الدهور ولا يحتاج إلى مسألة منها ، ولا يتكلم في الإخلاص ،
ولا يحذر من الرياء ، وهذا عليه فرض عين ؛ لأنَّ في إهماله هلاكه ، والأول فرض كفاية ،
 ولو أنَّه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب )
 [ مختصر منهاج القاصدين ص (27)] .

ثالثاً ــ حب المناظرة ، وحب الجدل و كثرة الكلام : ( يهرف بما لا يعرف ) 
قال الله تعالى : (( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً )) [ الكهف /54]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ

وَإِنْ كَانَ مُحِقاّ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ
 في أعْلَى الْجَنّةِ لِمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ ) [ أخرجه أبو داود (4800) ك الأدب ،
باب في حسن الخلق ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (4015)] .
قال الأوزاعي : إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل ، ومنعهم العمل.
قال معروف الكرخي : إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل ، وأغلق عنه باب الجدل ،

 وإذا أراد الله بعبد شرًا فتح له باب الجدل ، وأغلق عنه باب العمل . [اقتضاء العلم العمل ص (79)] .
وقال بعض السلف : إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمَّت خسارته .
وإنما يعطى الجدل الفتانون ، فما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل ، وما يشتهي المناظرة

 إلا الباحثون عن أعراض الدنيا الزائلة ، وإنما كان الرجل من السلف لا يقع في المناظرة
 إلا اضطرارًا ، وما زلَّ من زلَّ في هذا الباب إلا بسبب الرياء والسمعة ، وإنما كان همُّ الأوائل
 الأعمال لا الأقوال ، وصار قصارى همّ بعضنا الآن الكلام طلبًا للظهور .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر،
 حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه،
 فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر،
 للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم."[ أخرجه الترمذي (3058) ك التفسير ،
 باب ومن سورة المائدة ، وقال : حسن غريب] .
وهذه وصية نبوية غالية ، تشير إلى أمراض خطيرة: ( شح مطاع ، هوى متبع ، دنيا مؤثرة ،

 عجب وإعجاب بالرأي ) فيا لها من أمراض قتَّالة ، وأوبئة فتَّاكة ، تفتك بالدين ، وتقتل الإخلاص ،
 وإنَّما المرض العضال الحامل على كل هذا والمؤدي إليه : ( حب الظهور ، وشهوة التصدر ،
 والرغبة في الشهرة ، والعلو على الأقران ) فنسأل الله العافية من أمراض القلوب ،
 ونسأله هو العلي القدير أنْ يرزقنا الإخلاص ، وأنْ يجمعنا على الصالحين من عباده في الدنيا والآخرة .
عن عبد الله بن المبارك قال : قيل لحمدون بن أحمد : ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا ؟!!
قال : لأنَّهم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس ،

وطلب الدنيا ، ورضا الخلق .
قال أبو قلابة لأيوب السختياني : يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة ،

 ولا يكونن همك أن تحدث به الناس .
قال الحسن البصري : همة العلماء الرعاية ، وهمة السفهاء الرواية .
فإذا لم تجد القول موافقًا للعمل فاعلم أنه نذير النفاق .
قال عبد الله بن المعتز : علم المنافق في قوله ، وعلم المؤمن في عمله .
وحكى الذهبي عن أبى الحسن القطان قوله : ( أُصبت ببصري ، وأظن أنى
 عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة ) ،
 ثم قال الذهبي : " صدق والله ، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام ،
 وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم ، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم ،
 ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص . أهـ( من سير أعلام النبلاء ) .
وعن معمر بن راشد قال : إنَّ الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : (( نعم يطلبه أولاً ، والحامل له حب العلم ،

 وحب إزالة الجهل عنه وحب الوظائف ، ونحو ذلك ، ولم يكن عَلِم وجوب الإخلاص فيه ،
 ولا صدق النية ، فإذا علم حاسب نفسه ، وخاف من وبال قصده ، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها ،
وقد يتوب من نيته الفاسدة ، ويندم ، وعلامة ذلك أنه يُقْصِر من الدعاوى وحب المناظرة ،
 ومن قَصْدِ التأثير بعلمه ، ويُزْري على نفسه ، فإن تَكَثَّر بعلمه ، أو قال أنا أعلمُ من فلان فبعداً له )) .

رابعاً ــ الولع بالغرائب والبحث عن المهجور من الأقوال : 
فترى من ابتلي بهذه الشهوة الخفية ألا وهي الرياء يتصيد الغرائب ويتصيد المهجور من أقوال العلماء ،

فبمجرد أن يتصيد مسألة من هنا أو هناك ، سمعها في مجلس ، أو من شريط ، أو قرأها في صحيفة ،
 أو في كتاب ، يوالي ويعادى على تلك المسألة. ، وأكثر الناس اليوم لا علم له إلا ببعض المسائل ،
 وليتها بالنافعة ، وإنما شواذ المسائل ، وغريب الآراء ، والمهجور من الأقوال ،
 وكأن الشعار "خالف تُعرف" فالخلاف عنده أشهى من الاتفاق .
حتى وجدنا بعض المتعالمين من يشغل العامة بالمسائل النادرة الحدوث والمختلف عليها

 والتي هي أصلاً ليست أهلاً لطرقها على المنابر من أمثال ( الحجامة ) فتراه يصطنع
 عليها خطباً متكررة متنوعة ، إنما الشذوذ والغرابة والبحث عن المهجور من الأقوال ساقه إليها ،
 وكان الأولى شغل الناس والعامة بعوالي الأمور والمهمات الجسيمة التي ترقى بهم وبإيمانهم .
فالولع بالغريب والشاذ من الأقوال ، وإحياء المسائل المهجورة والتي حسمها أهل العلم منذ زمن بعيد ،

 كل ذلك ـ إن كان عن عمد ـ يدل على خلل واضح ، وسوء قصد بيِّن ، لا سيما إذا كان الأمر
 زلَّ فيه عالم من العلماء ، ومن هنا حذر أهل العلم من تتبع هذه المسائل التي أسموها
 بـ (( الطبوليات )) إذ قيل : (( زلة العالم مضروب لها الطبل ))
 [حلية طالب العلم ص (7) للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد] .

خامساً ــ الشغب على المخالف والزهو بالمتبع. 
فإنك تراه يشاغب على من خالفه ، ويعاديه ، وينفر منه ، ويفرح بالمدح ،

 ويزهو بكثرة الأتباع ، وبالضد تتميز الأشياء ، وتلك من نتاج العصبيات والحزبيات ،
 لعدم تحقيق عقيدة الولاء والبراء فيصير الولاء للمتبع ، والبراء من المخالف ،
وما كان هذا هدي السلف في الخلاف ، لا سيما في الفروع ،وكم من مجر للخلاف
 على ألسنة الناس لمجرد الشغب عليه لمخالفته إياه ، أو الزهو بمن اتبعه ،
 ومن أهم علامات الصادق استواء المدح والذم عنده ، فإن لم يكن كذلك فليتهم نفسه .
قال الإمام الذهبي في [سير أعلام النبلاء (7/393 )] : عن عبد الرحمن بن مهدى عن طالوت :

سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : ما صدق الله عبد أحب الشهرة .
ثم قال الذهبي : علامة المخلص الذي قد يحب الشهرة ، ولا يشعر بها ، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد ،

 ولا يبرئ نفسه ، بل يعترف ويقول : رحم الله من أهدى إلىَّ عيوبي ، ولا يكن معجباً بنفسه ،
لا يشعر بعيوبها ، بل يشعر أنه لا يشعر ، فإن هذا داء مزمن " أهـ
وما أغلاه من كلام ، وصدق من قال : الذهبي ذهبي الكلام ، حقاً إنه كلام أغلى من الذهب،

 فالمخلص إذا اتهم لم يكابر، لم يشمخ بأنفه ، ولم تأخذه العزة بالإثم فيقول : أنا.. أنا.. أنا ،
 وإنما يخضع ويذعن ، ويخاف ويخشى ، ويتهم نفسه ، ويسيء الظن بها ، ويقول : ويلى ،
 وويل أمي ، إنْ لم يرحمني ربى .
وعن الفضيل بن عياض قال : يا مسكين ، أنت مسيء وترى أنَّك محسن ،

وأنت جاهل وترى أنَّك عالم ، وتبخل وترى أنَّك كريم ، وأحمق وترى أنَّك عاقل ، أجلك قصير ، 
وأملك طويل .
قال الذهبي: ( قلت : إي والله صدق ، وأنت ظالم وترى أنَّك مظلوم ، وآكل للحرام وترى أنَّك متورع ،

 وفاسق وتعتقد أنَّك عدل ، وطالب العلم للدنيا وترى أنَّك تطلبه لله ) [سير أعلام النبلاء (8/440)] .

• خاتمة : 

فيا أخي والله أريد الفلاح لك ولنفسي ولهذا ضع نصب عينيك ما أخرجه الإمام مسلم من

حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه
رجل استشهد فأتى يعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها: قال قاتلت فيك حتى استشهدت.
 قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
 ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال:
 تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال:
 قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه
وأعطاه من أصناف المال فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من
سبل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل،
 ثم أمر به فسحب على زجهه حتى ألقي في النار)). رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

 (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه)) رواه مسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تعلم علما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه

 إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) رواه أبو داود بسند صحيح.
فالله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم إنه أكرم مسؤول وجوده أعظم مأمول .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .